الآلوسي
193
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
يجعله كالمشاهد من خلقه لهم ولأصولهم وإبداع الكائنات العظيمة والتفضل بإفاضة النعم الجسيمة فدلت عليه دلالة عرفتهم به ، فمحصلها اعبدوا اللّه تعالى الذي عرفتموه معرفة لا مرية فيها ، ولا شك في أن العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك إذ من عرف اللّه تعالى لا يسوي به سواه ؛ فالذي سول للمعترض النظر للعبادة وقطع النظر عن المعرفة ، ويحتمل أن يكون متعلقا بلعل فينصب الفعل نصب فَأَطَّلِعَ على قراءة جعفر من لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [ غافر : 36 ] إلخ على رأي « 1 » إلحاقا بالأشياء الستة لأنها غير موجبة لحصول ما يتضمنها فتكون كالشرط في عدم التحقق ، والقول بالإلحاق لها بليت - تنزيلا للمرجو منزلة المتمنى في عدم الوقوع - يؤول إلى هذا إن أريد بعدم الوقوع عدمه في حال الحكم لا استحالته ، والمعنى خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه فافهم ، ويحتمل أن تكون الفاء زائدة مشعرة بالسببية وجملة النهي - بتأويل القول - خبر عن الذي على جعله مبتدأ ، وقيل : الجملة متعلقة بالذي ، والفاء جزاء شرط محذوف ، والمعنى هو الذي جَعَلَ لَكُمُ ما ذكر من النعم المتكاثرة ، وإذا كان كذلك فَلا تَجْعَلُوا إلخ ، والجعل هنا بمعنى التصيير وهو كما يكون بالفعل نحو - صيرت الحديد سيفا ، ومنه ما تقدم على وجه - يكون بالقول والعقد - والأنداد - جمع ند - كعدل وأعدال أو نديد - كيتيم وأيتام - والند مثل الشيء الذي يضاده ويخالفه في أموره وينافره ويتباعد عنه وليس من الأضداد على الأصح ، وأصله من ند ندودا إذا نفر ، وقيل : الند المشارك في الجوهرية فقط ، والشكل المشارك في القدر والمساحة ، والشبه المشارك في الكيفية فقط ، والمساوي في الكمية فقط ، والمثل عام في جميع ذلك ، وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون اللّه أَنْداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله في ذاته تعالى وصفاته ولا تخالفه في أفعاله . وإنما عبدوها - لتقربهم إليه سبحانه زلفى - إشارة إلى استعارة تهكمية حيث استعير النظير المصادر للمناسب المقرب كما استعير التبشير للإنذار والأسد للجبان ، وإن أريد بالند النظير مطلقا لم يكن هناك تضاد وإنما هو من استعارة أحد المتشابهين للآخر ، فإن المشركين جعلوا الأصنام - بحسب أفعالهم وأحوالهم - مماثلة له تعالى في العبادة ، وهي خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم ، ولعل الأول أولى ، وفي الإتيان بالجمع تشنيع عليهم حيث جعلوا أَنْداداً لمن يستحيل أن يكون له ند واحد ، وللّه در موحد الفترة زيد بن عمر بن نفيل رضي اللّه تعالى عنه حيث يقول في ذلك : أربّا واحدا أم ألف ربّ * أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الرجل البصير وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حال من ضمير فَلا تَجْعَلُوا والمفعول مطروح - أي وحالكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأي - فإذا تأملتم أدنى تأمل علمتم وجود صانع يجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه ، أو مقدر حسبما يقتضيه المقام ويسد مسد مفعولي العلم ، أي تَعْلَمُونَ أنه سبحانه لا يماثله شيء ، أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله ، والحال على الوجه الأول للتوبيخ أو التقييد إذ العلم مناط التكليف ولا تكليف عند عدم الأهلية ، وعلى الوجه الثاني للتوبيخ لا غير لأن قيد الحكم تعليق العلم بالمفعول ، ومناط التكليف العلم فقط والتوبيخ - باعتبار بعض أفراد المخاطبين بإلهي بناء على عموم الخطاب حسبما مر في الأمر - فلا يستدعي تخصيص الخطاب بالكفرة على أنه لا بأس بالتخصيص بهم أمرا ونهيا بل قيل : إنه أولى للخلاص من التكلف وحسن الانتظام إذ لا
--> ( 1 ) فإنه قيل : يعطف أطلع على معنى ( لعلى أبلغ ) لأنه بمعنى أن أبلغ ، ويحتمل أنه عطف على الأسباب على حد . ولبس عباءة وتقر . ا ه منه .